فصل: مسألة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة السفيه المولى عليه يبتاع أمة فتحمل منه ثم يعثر على ذلك:

قال أصبغ في السفيه المولى عليه، يبتاع أمة فتحمل منه ثم يعثر على ذلك، فقال: أرى أن ترد الأمة إلى بائعها ويرد البائع الثمن كله على السفيه ويكون الولد ولده ولا يكون عليه من قيمتهم شيء.
قال عيسى: ولو أن رجلا أسلف مولى عليه مالا أو أسلمه إياه في شيء أو ابتاع منه شيئا فاشترى به المولى عليه أمة فحملت منه كانت أم ولد ولم يكن للمشتري أن يأخذها بسلفه إياه المال وابتياعه منه شيئا، فإن كان قد قبض منه ما كان ابتاع بالمال رد ذلك الشيء إلى المولى عليه، وأسقط الثمن.
قال محمد بن رشد: أما إذا أولد السفيه الجارية التي ابتاعها بمال أسلف إياه أو بثمن سلعة باعها فلا خلاف في أنه لا سبيل للذي أسلفه أو باعه عليها؛ لأنها وإن كانت من أموالهما فليست بعين أموالهما، وهما سلطاه على أموالهما.
وأما إذا أولد الأمة التي اشتراها فقيل: إن ذلك فوت أيضا لا سبيل للذي باعه إياها عليها؛ لأنه هو سلطه عليها، فإنما فعل من وطئه إياها بعد الشراء ما يجوز له، والحمل ليس من كسبه إذ لم يقع باختياره ولا هو من فعله، بخلاف العتق الذي هو من فعله وكسبه، وهو قول أصبغ في سماع عيسى من كتاب العتق.
وقيل: إن ذلك ليس بفوت وترد الأمة إلى بائعها، وهو قول أصبغ هاهنا وقول عيسى بن دينار في سماعه من كتاب العتق؛ لأنه وإن كان الحمل ليس من كسبه ولا من فعله فالأمة عين مال البائع، وهذا استحسان، والقول الأول هو القياس إلا فرق بين أن يولد الأمة التي اشتراها من مال يسلفه إياه أو من سلعة باعها، كما لا يفترق ذلك في المديان للعلة التي ذكرناها، والله الموفق.

.مسألة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر:

وسئل سحنون: عن الرجل يقر على نفسه أن لفلان عليه مائة دينار ناقصة ويدعي المقر له أنها وازنة، قال: ليس له إلا ما أقر له به.
قال محمد بن رشد: يريد ويحلف المقر على ما يذكره من النقصان، وهذا ما لا إشكال فيه ولا اختلاف، إذ لا فرق بين اختلافهما في العدد أو في قدر النقصان، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، وبالله التوفيق.

.مسألة أتى بذكر حق له على رجل فيه ألف دينار فأتى المشهود عليه ببراءة ألفي دينار:

قيل: أرأيت إن أتى بذكر حق له على رجل فيه ألف دينار فأتى المشهود عليه ببراءة ألفي دينار يزعم أن تلك الألف قد دخلت في هذه المحاسبة والقضاء، قال: يحلف ويبرأ.
قيل له: فإن أتى ببراءات مفترقة إذا اجتمعت مع الذكر الحق أو الذكورات الحق كانت أكثر أو أقل، وليس شيء من ذلك منسوبا أنه من الذكورات الحق ولا من غير ذلك؟
فقال: إذا كانت البراءات مفترقة وليس واحدة منها إذا انفردت فيها جميع هذه الذكورات الحق أو الذكر الحق فإني لا أراها براءة مما أثبت قبله، وإن كان في واحد منها جميع هذا الذكر الحق وصارت بقية البراءات زيادة على ما أثبت قبله فإني أرى أن يحلف ويبرأ.
قال القاضي: تفرقة سحنون هذه بين أن يأتي المطلوب ببراءة واحدة تستغرق ما في ذكر الحق الذي عليه وبين أن يأتي ببراءات كثيرة تستغرقه إذا جمعت تفرقة ضعيفة لا وجه لها؛ لأن الحق قد يقضى مجتمعا ومفترقا شيئا بعد شيء.
وقد روى ابنه محمد عنه أنه رجع عن هذا القول إلى أنه يبرأ بالبراءات المفترقة وإن كانت ليس في كل واحدة منها إذا انفردت كفاف ذكر الحق.
ولو قيل: إنه إن كانت البراءة واحدة أو البراءات إذا جمعت مثل ذكر الحق سواء أو أقل كانت براءة، وإن كانت البراءة الواحدة والبراءات إذا جمعت أكثر من ذكر الحق لم تكن براءة لكان لذلك وجه بأن يقال: إن المعنى في ذلك أن المطلوب أنكر المخالطة وزعم أنه لم يبايعه سوى هذه المبايعة التي فيها ذكر الحق وادعاها الطالب، فإذا لم يكن في البراءة الواحدة بانفرادها أو البراءات باجتماعها أكثر من ذكر الحق لم يكن للطالب دليل على ما ادعاه من المخالطة، وأنه قد عامله غير هذه المعاملة التي فيها ذكر الحق، فوجب أن يحلف المطلوب أنه لم يكن له عليه سوى ذكر الحق، وتكون البراءة أو البراءات براءة له منه.
وإن كان في البراءة الواحدة أو البراءات زيادة على ذكر الحق كان في ذلك للطالب دليل على ما ادعاه من المخالطة وأنه قد عامله فيما سوى هذا الذكر الحق، فوجب أن يحلف الطالب أنه قد عامله فيما سوى هذا الذكر الحق وأن البراءة أو البراءات التي استظهر بها المطلوب إنما هي من ذلك، فلا يكون شيء من ذلك براءة للمطلوب من الذكر الحق.
وقد مضى القول على هذه المسألة في سماع أبي زيد من كتاب الشهادات ما فيه بيان لها وكشف عن معانيها، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه:

ومن سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال محمد: سألت ابن القاسم عن الرجل يسلف الرجل مالا فيشتري المسلف به متاعا ثم يفلس فيقوم المسلف مع الغرماء فيجد المتاع الذي اشتري بماله، فيقول: هذا المتاع أنا أولى به؛ لأنه ابتيع بمالي.
قال ابن القاسم: قال مالك: هو أسوة الغرماء.
قال الإمام القاضي: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، إذ ليس المتاع ماله الذي أسلفه بعينه، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره»، وبالله التوفيق.

.مسألة يبيع من الرجل شققا إلى أجل فيقطعها ثيابا ويخيطها ثم يفلس:

قال: وسألته عن الرجل يبيع من الرجل شققا إلى أجل فيقطعها ثيابا ويخيطها ثم يفلس المبتاع ويجد البائع شققه مقطوعة، كيف الأمر في ذلك؟
قال: يسلك به في ذلك قول مالك في الذي يبيع العرصة فيبني فيها المبتاع ثم يفلس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في آخر رسم العرية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول في ذلك، وبالله التوفيق.

.كتاب المديان والتفليس الثالث:

.مسألة السيد لا يحجر على عبده إلا بالسلطان:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول، فيمن دفع إلى عبده مالا يتجر به وأمره ألا يبيع إلا بالنقد ولا يشتري إلا به وحجر عليه في ذلك، فداين العبد الناس: إنهم أحق بما في يده لا شك فيه وإن لم تكن هي أموالهم بعينها.
قال أصبغ: وهذا مأذون له إذا أطلقه على البعض فهو الكل، كمثل ما لو وضعه يتجر في البز وحده فتجر في غيره كان لازما له؛ لأنه قد نصبه للناس، وليس كل الناس يعلمون بعضا دون بعض.
وقال أصبغ: قلت له: فإن قصر ما في يديه عما عليه، أيكون ما بقي في ذمته أيضا؟
قال: هو الذي أُصْغِي إليه وَأَسْتَحْسِنُهُ ويسبق إليَّ، والله أعلم.
وقاله أصبغ على قياس القول الأول في صدر هذه المسألة وطريقها استحسانا، وفيها ضعف إن شاء الله.
قال سحنون: هو كما شرط سيده، وليس له أن يتعدى ما أُمِرَ به، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو دفع إلى عبده مالا قراضا أنه يصير بذلك مأذونا له في التجارة وحكم القراض ألا يباع بالدين في الأحرار والعبيد، وكل من قبض مالا قراضا فليس له أن يبيع بالدين. وكذلك الذي يشترط على عبد هو مأذون له في التجارة ممنوع أن يبيع بالدين، فإذا باع به كان متعديا ولا يجوز على مولاه عداه.
قال محمد بن رشد: قوله في صدر هذه المسألة: إنهم أحق بما في يديه- لا شك فيه، وإن لم تكن هي أموالهم بعينها، يريد: أنهم يكونون فيما في يديه أسوة للغرماء إن لم تكن أموالهم بعينها، وإن كانت أموالهم بعينها كان من وجد منهم ماله بعينه أحق به من غيره من الغرماء على حكم الحر إذا فلس. وهذا مما لا إشكال فيه.
وفي قوله: لأنه قد نصبه للناس وليس كل الناس يعلمون بعضا دون بعض دليل على أنه لو أشهد بتجارته في البز وحده وأعلن بذلك وعلم به ثم تجر في غيره لم يلزمه في ماله ما داين به، وهو دليل قوله أيضا في المدونة؛ لأنه لا يدري الناس لأي أنواع التجارة أقعده.
ويدخل في هذا اختلاف بالمعنى؛ لأنه من باب التحجير، فيأتي على قول مالك في المدونة: إن السيد لا يحجر على عبده إلا بالسلطان أنه لا ينفع إشهاد السيد وإعلانه إنما أذن له بالتجارة في البز وحده. ويأتي على قول سحنون: إن السيد يحجر البيع بالدين على عبده دون السلطان- أن الإشهاد والإعلان ينفعه في ذلك.
وقوله: إن ما قصر عنه ما في يده يكون في ذمته، هو مثل ما في المدونة ولا خلاف فيه أعلمه.
وقوله: وقاله أصبغ على قياس القول الأول، يريد: أن ما بقي مما لم يف به ما في يديه فيكون في ذمته على قياس القول بأن تحجير البيع بالدين عليه لا يلزمه، ويكون من داينه أحق بما في يديه.
والقول الثاني هو قول سحنون الذي حكاه بعد ذلك من أن تحجير البيع بالدين عليه لازم له، فلا يكون من بايعه بالدين أحق بما في يديه، إذ لا يجوز عدوه على سيده.
وظاهر قول سحنون أن السيد إذا أذن لعبده في التجارة وحجر عليه الدين أن الغرماء لا يكون لهم حق فيما في يده من المال الذي أذن له بالتجارة فيه وإن لم يعلموا بذلك.
ومسألة القراض التي احتج بها لا يلزم ابن القاسم الحجة بها، إذ لا يوافقه عليها بل يخالفه فيها، فيقول: إنه إذا دفع إلى عبده مالا قراضا فداين فيه الناس تكون فيه ديونهم إلى أن يعلموا أنه بيده قراض فلا يكون لهم فيه شيء.
وكذلك الحر أيضا لو دفع إليه مالا قراضا فعلم الغرماء الذين عاملوه فيه بالدين أنه مال قراض بيده لم يكن لهم فيه شيء واتبعوا ذمته بديونهم.
وأما إذا لم يعلموا فيفترق الحر من العبد؛ لأن الحر يلزمه ضمان المال فيكون لصاحبه محاصة الغرماء فيه، والعبد لا يضمن لسيده فينفرد الغرماء إذا لم يعلموا بجميعه؛ لأنه فرط حين لم يعلمهم.
وقال ابن دحون: قول سحنون ضعيف ليس المأذون له مكان المقارض؛ لأن المأذون له حجر عليه التجارة فيما عدا البز لم يلزمه بخلاف المقارض.
وقول ابن دحون ليس بصحيح؛ لأن قول سحنون إنما ضعف من أجل أنه جعل تحجير السيد على عبده الدين لازما للغرماء وإن لم يعلموا بتحجيره المداينة عليه، لا من أجل الفرق بين تحجير الدين على العبد وبين دفع المال إليه على سبيل القراض، إذ قد بينا أنه لا فرق بينهما، وبالله التوفيق.

.مسألة سلف في ثوب أو دابة ففلس المسلف إليه:

قال أصبغ: وسئل: عمن سلف في ثوب أو دابة ففلس المسلف إليه، فقال: الذي اشترى والغرماء أسوة في المال يحاص بقيمة دابته أو ثوبه الذي سلف فيه، فما حصل له في المحاصة اشترى له به شرطه أو ما بلغ شرطه.
قال أصبغ: وتفسيره أن يحاص بقيمته وما يساوي مثله يوم التفليس؛ لأنه لو تم المال يومئذ كان يعجل له، فما أدرك في محاصته جعل له في مثله من أجزائه يشترى له يكون به شريكا ثم يبيع بباقيه جزءا نصفا أو ربعا أو ثلثا على مثل ذلك مما ثاب لغرمائه مال، إن شاء الله.
وكذلك لو سلف في طعام ففلس المسلف إليه أنه يحاص بقيمة طعامه حالا، فما صار له في المحاصة اشترى له به طعام وما عجز عن حقه اتبعه به في ذمته.
وقال سحنون: يحاص بقيمته طعاما إلى أجله.
قال الإمام القاضي: قد مضت هذه المسألة في رسم القبلة من سماع ابن القاسم وفي رسم العرية من سماع عيسى، وقول ابن القاسم أصح من قول سحنون؛ لأنه لا يلزم على قول سحنون إذا كان له على المفلس دين إلى أجل ألا يحاص الغرماء إلا بقيمة الدين إلى أجله.

.مسألة الرجل إذا ادعى على الرجل مائة دينار فصالحه منها على خمسين إلى أجل:

ومن كتاب البيع والصرف:
قال: وسئل: عن رجل له على رجل حق فجحده إياه، فأراد إحلافه، فقال: لا تحلفني، وأخرني إلى سنة، وأنا أقر لك، فقال: لا خير فيه، وهو سلف جر منفعة، قلت له: إن وقع أيفسخ التأخير ويثبت الحق معجلا، والمقر يجحده ويقول: إنما أقررت ورضيت بما رضيت به من ذلك على ما جعل لي من التأخير افتداء من اليمين على رءوس الناس والشهرة والشغب والخصومة، ونحو ذلك من القول، وأنا أحلف ما له علي شيء، هل يكون له ذلك أم لا؟ وهل يسقط عنه إذا حلف مع سقوط التأخير الذي أسقطته؟
قال لي: نعم، يكون على رأس خصومته، وأرى ذلك له، ولا يلزمه من ذلك الإقرار شيء.
قال محمد بن رشد: قوله في تأخير الحق عنه على أن يسقط عنه اليمين إنه سلف جر منفعة، هو على أصل مالك في سماع أشهب في رسم البيوع، وعلى أصله أيضا في المدونة بدليل قوله في كتاب الصلح منها: إن الرجل إذا ادعى على الرجل مائة دينار، فصالحه منها على خمسين إلى أجل، إن ذلك جائز إذا كان مقرا خلاف قول ابن القاسم فيها: إن ذلك جائز، وإن كان منكرا؛ لأنه إن كان حقه حقا فله تأخيره، وإن كان باطلا فليس له أن يأخذ منه شيئا.
وقد مضى في رسم البيوع من سماع أشهب من القول على هذه المسألة ما فيه بيان، إن شاء الله وبه التوفيق.

.مسألة المقارض يفلس بديون عليه فيقر في بعض ما في يديه أنه مال القراض:

وسألته: عن المقارض يفلس بديون عليه، فيقر في بعض ما في يديه أنه مال القراض.
قال: لا يقبل قوله.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب وفي رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، من سماع ابن القاسم أيضا من كتاب تضمين الصناع، وقلنا: إنها مسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن إقراره جائز، والثاني: أنه لا يجوز، والثالث: الفرق بين أن تكون على أصل القراض بينة أو لا تكون، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم.
ومن الناس من ذهب إلى أن الخلاف في جواز إقراره، إنما هو إذا لم يكن على أصل القراض بينة، وأما إذا كان على أصله بينة فلا اختلاف في أن إقراره جائز، وهذا بعيد؛ لأن الظاهر من هذه المسألة الذي هو كالنص فيها، إنما تكلم على من فلس وقد علم أنه مقارض، وقد قال فيها: إن قوله لا يقبل.
ومن ذهب إلى أنه لا خلاف في جواز إقراره إذا كان على الأصل بينة- يقول في هذه المسألة: المعنى فيها أن يقر فيما في يديه مما ليس من تجر القراض أنه من القراض؛ لئلا يباع عليه ثياب أو بسط توجد في داره وهو يتجر بالقراض في الحنطة، فيقول هي من القراض، فلا يصدق. ولو كان يتجر في مال القراض في الثياب أو البسط قبل منه بعد يمينه ولم يبع عليه.
ومنهم من ذهب إلى أن رواية أبي زيد في الفرق بين أن يكون على الأصل بينة أو لا تكون مفسرة للقولين جميعا، فلا يكون في المسألة على هذا التأويل اختلاف، وبالله التوفيق.

.مسألة المال يباع على العامل إذا قام عليه غرماء صاحب المال:

ومن كتاب البيوع:
قال: وسمعته يقول في رجل أخذ من رجل مالا قراضا فاشترى متاعا وخرج إلى أطرابلس، فقام عليه بأطرابلس، غرماء صاحب المال وغرماء العامل، قال: فرق مالك بين أن يقوم عليه غرماء صاحب المال، وغرماء العامل، فقال: إذا قام غرماء صاحب المال بيع المتاع، فأعطي العامل حصته من ذلك، وكان ما بقي لغرماء صاحب المال، فإذا قام على العامل غرماؤه، فأرادوا أن يباع فيأخذوا ربحه؛ لأن لهم فيه فضلا، لم يبع حتى يحضر صاحب المال.
قال أصبغ مثله؛ لأنه ليس للعامل في المال بعينيه شيء.
ولا يجبر العامل على البيع ولا يمنع منه إن شاء ذلك هو عند ذلك أو بعده، فإذا باع ونض فوجد المال قضى لهم صاحب المال دينهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة متكررة في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده من سماع عيسى من كتاب القراض.
وقوله: إنه إذا قام على العامل غرماء صاحب المال، بيع المتاع، فأعطى العامل حصته من ذلك، وكان ما بقي لغرماء صاحب المال، معناه: إذا كان لبيعه وجه لا ضرر فيه على العامل، فإن كان عليه فيه ضرر لربح يرتجيه في أسواقه لم يبع عليه حتى يأتي أسواقه، وكذلك في تفسير ابن مزين، وكتاب ابن المواز عن مالك أنه لا يباع إلا أن يرى لذلك وجه ومصلحة، وهو معنى ما في المدونة.
وقوله: وقال أصبغ مثله، معناه: وقال أصبغ مثل قول ابن القاسم: إن العامل إذا قام عليه غرماؤه لم يبع عليه مال القراض، حتى يحضر صاحب المال.
وعلل ذلك بما ذكره من أنه ليس للعامل في المال بعينه شيء، وهو تعليل صحيح، إذ لا شيء له في المال حتى يباع وينفق إلى رب المال رأس ماله.
وقوله بعد ذلك: ولا يجبر العامل على البيع... إلى آخر قوله- معناه: إذا قام عليه غرماء صاحب المال، بدليل قوله في آخره: قضى لهم صاحب المال دينهم، ومن قوله الذي تقدم: إن المال يباع على العامل إذا قام عليه غرماء صاحب المال، فلا وجه له عندي إلا أن يكون معناه: يجبر على البيع ولا يمنع منه إن شاء ذلك، إذا قام عليه غرماء صاحب المال، ولا وجه لبيعه في ذلك الوقت.
وأما إذا قام على العامل غرماؤه، فلا إشكال في أنه لا يباع المال عليه حتى يحضر صاحبه؛ لأنه لا ربح له في المال حتى يرجع إلى رب المال رأس ماله. وبالله التوفيق.

.مسألة ابتاع عبدا بيعا فاسدا فأعتقه وقيمته أكثر من الثمن وليس له غيره:

قال أصبغ وسحنون: سألنا ابن القاسم: عن الذي يعتق عبيدا له وعليه دين يستغرق بعضهم، ثم يستحدث دينا بعد ذلك، ثم يقوم به الغرماء الأولون الذين أعتق ولهم عليه الدين.
قال: يرد من عتق العبيد بقدر الذي كان لهم من الدين يوم أعتق، فيباع ذلك لهم، ويدخل معهم فيه الغرماء الآخرون، ثم يعتق ما بقي من العبيد، ولا يباع منهم شيء بعد ذلك، ولا يباع للأولين. إلا أول مرة على ما فسرته لك فقط.
قال أصبغ: وقد قال بعض الناس: إذا دخل الآخرون على الأولين في ثمن ما بيع لهم أولا فحاصوهم فيه حتى ينتقصوهم فيه، بيع للأولين ثانية بقدر ما أخذ منهم، فدخلوا عليهم فيه أيضا بالحصص، ثم يرجع إلى البيع أيضا أبدا هكذا حتى يستوفي الديون أو يستغرق بيع العبيد، فلا يعتق منهم شيء.
قال أصبغ: وليس هذا عندنا بشيء فكأن هذا يصير ردا للعتق للآخرين. وليس للآخرين في العتق مقال؛ لأنه قد سبق ديونهم، وإنما يرد للأولين قدر ما تلف من ديونهم يوم قاموا عليه، ثم أعتق ما بقي، وأثبت عتقه، ولا يزول، فإذا بيع ذلك للأولين، صار كأنه مال لهم عليه أقروه في يديه، إلى أن استحدث دينا وفلس، فإنهم يتحاصون جميعا في ماله، وليس ما كان نفذ فيه العتق، مما فضل يوم أعتق على الدين بمال له.
ولا لهم وقد سألت ابن القاسم عن هذا القول الذي قاله من قاله، فعرفه ولم يعجبه، ولم يره ولا رآه ظلما ولا أعلم إلا وقد خلا بصدره، أو قاله مرة ثم رجع عنه على بصيرة وعلم إلى ما كتبت عنه في سؤالي إياه.
قال محمد بن رشد: قوله: وقد قال بعض الناس، هو أشهب، والله أعلم.
وقد حكى ابن المواز عنه فيمن ابتاع عبدا بيعا فاسدا فأعتقه، وقيمته أكثر من الثمن، وليس له غيره، فإنه يباع منه قدر الثمن فقط؛ لأن القيمة إن كانت أكثر، لم يلزمه إلا بعد القبض ولكن يتبع بالزائد، فقال: إن ذلك من قوله رجوع منه إلى أصل ابن القاسم في غريم قبل غريم، وليس ذلك من قوله بصحيح؛ لأنه إنما تكلم على أن المبتاع أعتق العبد وهو في يد البائع قبل أن يقبضه، وما كان بيده فهو رهن بالثمن الذي وقع البيع به، فلا يصح أن يدخل عليه فيه بحال، ولو أعتقه بعد القبض لنفذ عتقه على أصله، واتبع بالقيمة دينا في ذمته، فلم يختلف قول أشهب فيمن أعتق عبده وعليه دين لا يستغرقه، ثم استدان دينا بعد العتق فدخل الغرماء الآخرون على الأولين فيما بيع لهم من العبد أنه يباع لهم منه ثانية بقدر ما أخذ منهم ثم إن دخلوا عليهم في ذلك بيع لهم منه ثالثة بقدر ما أخذ منهم، وهكذا أبدا حتى تستوفي الديون جميعا أو تستغرق بيع العبد، ولا اختلف قول أصبغ في أنه لا يباع للغرماء الأولين ثانية ما انتقصهم به الآخرون واختلف في ذلك قول ابن القاسم، فكان أولا يقول مثل قول أشهب، ثم رجع فقال: إنه يباع من العبد بقدر ديون الأولين فيدخل عليهم في ذلك الغرماء الآخرون، ولا يباع للأولين إلا قدر ما بيع لهم أولا، واختلف في ذلك أيضا قول مالك، فمرة قال: إنه لا يباع للغرماء الأولين ثانية بما انتقصهم به الغرماء الآخرون، ومرة قال: إنه يباع لهم منه بذلك أبدا حتى تستوفى جميع الديون، أو تستغرق بيع جميع العبد.
وهذا القول هو الذي رجع إليه مالك على ما حكاه ابن كنانة وابن نافع عنه في المدونة. وحكى ابن القاسم عنه فيها أن القول الآخر هو الذي رجع إليه، وأقام عليه.
حكى عنه القولين فيمن دبر عبده وعليه دين لا يستغرقه، ثم استدان بعد التدبير دينا آخر. ولا فرق في هذا بين التدبير والعتق والصدقة والحبس والهبة.
واختلف في هذه المسألة أيضا قول ابن كنانة، فله في المدنية فيمن دبر عبده وعليه دين ثم استدان بعد التدبير دينا آخر، أنه يباع من المدبر بقدر الدين الذي كان قبل التدبير، فيعطيه أصحاب الدين كان ذلك لهم، ولا يباع للآخرين منه شيء حتى يموت السيد.
ورأيت له في مسائل منتخبة لابن لبابة: سئل: عن الرجل يدبر عبده وعليه دين، فيجرح المدبر رجلا حرا، ويقوم أهل الدين عليه بدينهم؟ فقال: لا ترقه الجناية، وإنما يرقه دين سيده، فإن قام غرماؤه يريدون رد تدبيره، بيع منه بقدر دينهم، فإذا بيع قال المجني عليه: أنا أولى بما بيع منه؛ لأن جرحي في رقبته، وديونكم في مال سيده، فيأخذه ثم يباع منه أيضا بقدر ديونهم، فيقول المجني عليه: أنا أولى بما بيع منه؛ لأن جرحي في رقبته، وديونكم في مال سيده، فيأخذ المجروح فلا يزال هكذا يباع ويأخذه المجروح حتى يباع منه بقدر الجرح وبقدر الدين، فإن بقي منه شيء كان مدبرا حتى يموت السيد، فدين السيد يرقه؛ لأنه لا يجوز له تدبير وعليه دين، والمجروح يأخذه؛ لأن جرحه في رقبته، ولولا الدين لم يرق ولم يبع منه شيء، وأخذه المجروح فاختدمه دون الغرماء حتى يموت السيد، فإن كان له مال يعتق فيه عتق واتبعه المجروح ببقية عقل جرحه.
وإن لم يكن له مال عتق ثلثه ورق ثلثاه، واتبع العتيق بثلث ما بقي من جرحه، وكان الورثة مخيرين في افتكاك الثلثين بثلثي ما بقي من دية جرحه أو إسلامه، فأي ذلك فعلوا كان لهم.
وهذا اختلاف من قول ابن كنانة، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى والقياس، والذي يلزم في مسألة جناية المدبر هذه على قياس قوله الآخر ألا يباع من المدبر شيء لأهل الدين ثانية، ويكون دينهم في ذمة السيد المدبر، يتبعونه به إلى أن يموت، ويكون أهل الجناية أحق باختدام ما بقي من المدبر بعد الذي بيع منه في الدين واختدموه في جنايتهم، فإن استوفوا بقية جنايتهم من خدمته قبل أن يموت السيد اختدمه أهل الدين أيضا إلى أن يموت السيد، فيباع منه بما بقي من دينهم ويعتق ثلث الباقي.
وإن لم يستوف أهل الجناية بقية جنايتهم من خدمته إلى أن يموت سيده، بيع منه لأهل الدين بدينهم، إذ قد ذهبت ذمته بموته، فكان أهل الجناية أحق بما بيع منه، ثم يباع لهم بدينهم ثانية، فيكون أهل الجناية أحق، هكذا أَبَدًا إلى أن يستغرق ذلك بيع المدبر، أو يفضل منه فضلة فيعتق ثلثها، ويرق للورثة ثلثاها.
ولا اختلاف بعد موت السيد في وجوب البيع ثانية للغرماء إذا أخذ منهم ذلك أهل الجناية، وهكذا أبدا إلى أن يباع المدبر كله أو يفضل منه فضلة فيعتق ثلثها، ويرق ثلثاها للورثة.
ولو دبر الرجل عبده ثم استدان دينا بعد التدبير، وجنى المدبر جناية، لكان أهل الجناية أحق باختدام المدبر في جنايتهم من أهل الدين، ولا يباع من المدبر شيء حتى يموت السيد، فإذا مات بيع منه لأهل الدين بدينهم، وكان أهل الجناية أحق بذلك، ثم يباع لهم ثانية وثالثة أبدا إلى أن يستغرق البيع جميعه أو تفضل منه فضلة فيعتق ثلثها، ويرق للورثة ثلثاها.
مثال ذلك: أن يدبر الرجل عبده، وقيمته مائة دينار، ثم يستدين بعد التدبير عشرة دنانير، ويجني المدبر جناية قيمتها ثمانون دينارا، فيكون الحكم في ذلك أن يستخدم أهل الجناية المدبر في جنايتهم إلى أن يموت السيد، ويكونون أحق بذلك من الغرماء، فإن استوفوا في حياة السيد من خدمة المدبر عشرة دنانير مثلا، ثم مات السيد، كان الباقي لهم من الجناية سبعين دينارا، وللغرماء في ديونهم عشرة دنانير، فيباع لهم من المدبر عشره بعشرة دنانير، ويكون أهل الجناية أحق بذلك، فيأخذوه منهم، ثم يباع لهم منه ثانية أيضا عشره بعشرة دنانير، ويكون أهل الجناية أحق بذلك، فيأخذوه منهم، ثم يباع لهم منه ثالثة أيضا عشره بعشرة دنانير، ويكون أهل الجناية أحق بذلك، فيأخذوه منهم، ثم يباع لهم منه رابعة فيأخذوه أهل الجناية، ثم خامسة، فيأخذوه أهل الجناية، ثم سادسة فيأخذوه أهل الجناية، ثم سابعة، فيأخذوه أهل الجناية، فيستوفوا بذلك جميع جنايتهم، ثم يباع لهم ثامنةً- عشرُهُ بعشرةِ دنانيرَ، فيستوفوا دينهم، ويبقى من المدبر خمسه، فيعتق ثلثه ويرق ثلثاه للورثة، ولا اختلاف في هذا أعلمه.
ورأيت لابن دحون أنه قال: اتفاقهم على هذه المسألة حجة على ابن القاسم فيما اختاره وأخذ به ورجع إليه في الذي يعتق وعليه دين لا يستغرق العبد المعتق، ثم يستدين بعد العتق دينا آخر، من أنه لا يباع للغرماء الأولين ثانية، بما انتقصهم به الغرماء الآخرون مما بيع لهم، إذ لا فرق بين المسألتين؛ لأن الدين يرد التدبير، والجناية أولى بذلك، وكذلك دين الأولين، يرد العتق، والغرماء الآخرون أولى ببعض ذلك، فإذا وجب في مسألة الجناية أن يباع من المدبر ثانية لأهل الدين بما أخذ منهم أهل الجناية، وجب في مسألة العتق أن يباع للغرماء الأولين ثانية بما أخذه منهم الغرماء الآخرون، فترد المسألة المختلف فيها إلى المسألة المتفق عليها.
هذا معنى قوله دون لفظه، وليس قوله عندي بصحيح، والفرق بين المسألتين على ما اختاره ابن القاسم، وأخذ به في مسألة العتق، أن العتق لا يرده الدين الحادث بعده إذا مات المدبر، والمدبر مملوك، والمعتق حر، فلا يعود عليه دين حدث بعد عتقه، ودين الآخرين حدث بعد عتقه، فإذا دخلوا على الأولين، كان ما انتقصهم دينا حدث لهم على المعتق، فلا يرد العتق به؛ لأن الذي حدث للأولين من الدين إنما هو من أخذ الآخرين، ودين الآخرين بعد العتق، فلا يرد العتق من أجله؛ لأن ذلك ظلم للعبيد، وهو قوله في الرواية ورآه ظلما، يريد ظلما للعبيد في أن يرد عتقهم بدين حادث بعد عتقهم.
والتدبير بخلاف ذلك؛ لأنه يرده كل دين حدث بعده إذا مات السيد المدبر، ويتخرج في مسألة العتق عندي قول ثالث، وهو ألا يكون للغرماء الآخرين دخول على الغرماء الأولين في ثمن ما بيع لهم من العبد المعتق؛ لأنه إنما بيع لهم، فمصيبة الثمن منهم إن تلف، على معنى ما في المدونة في ثمن الرهن يضيع بيد الذي أمره السلطان ببيعه، أن مصيبته من المرتهن الذي بيع له، لا من الراهن الذي بيع عليه، ويلزم في مسألة العتق على قياس قوله فيما لو تلف الثمن في يد البائع قبل أن يدفع إلى الغرماء الأولين أن تكون مصيبته من الغريم المعتق، فيباع بذلك من العبد المعتق ثانية.
ووجه إيجابه للغرماء الآخرين الدخول على الغرماء الأولين في ثمن ما بيع لهم من العبد المعتق أو العبيد المعتقين أنه إنما بيع ذلك لجميعهم، ولو بيع للأولين ولم يعلم بدين الآخرين إلا بعد البيع لوجب ألا يكون لهم عليهم في ذلك دخول قولا واحدا، والله أعلم، وبه التوفيق.